محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
996
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
أربعة من الناس ، كلّ واحد على طبيعة طير ، وقد فرّق أحوالهم على أربعة أزمان كما فرّق الخليل أجزاء طيوره على أربعة جبال ، فدعاهم وقد أتوه سعيا ، وإنّ إحياء النفوس بالعلم والدين ألطف وأشرف من إحياء الأجساد بالنفوس والأرواح ؛ فإنّ إحياء النفوس أخصّ أوصاف النبوّة ، فلا يعارضه معارض ، وإنّ إحياء الأجساد ليس من أخصّ أحوال النبوّة ولذلك عارضه الكافر ( 409 ب ) إذ آتاه اللّه الملك ، وهذه دقيقة لطيفة إن تنبّهت لها . وسرّ آخر : الإنسان رضيع العادة لا يستبعد ما يعتاده وإنّما يستبعد ما لا يعتاده ، ولو كان اعتياده على أن لا يرى شخصا يتكوّن إلّا بجمع المتفرّقات من الأجزاء والتئام الشخص من مختلفات الجواهر كان يظنّ أنّه واجب في الفطرة حتّى لو عرض عليه أنّ شخصا يتكوّن من ماء مهين متشابه الأجزاء على نشوء نطفة ثمّ علقة ثمّ مضغة ثمّ يظهر عليها نقوش كثيرة كالنياشين ، ثمّ يتجسّم كلّ نفس صورة عضو ، ويتخلّق كلّ عضو على ما خلق له من سمع وبصر وأنف وفم وذقن وقفاء وصدر وكتف وبطن وظهر ويمين وشمال وسرّة وحقو ويدين وفخذين وساقين وقدمين وأخمصين ، فينشأ قائما ، ويتكلّم ناطقا ، ويتصرّف بتدبيره ، ويدبّر بفكره ، ويفكّر بعقله ، كأنّه ملك في عالمه ، أو ملك في علمه ، أو نبيّ في أمّته ، أو ربّ في بريّته ، كان تعجّبه واستبعاده أشدّ من تعجّبه من إعادة الأجزاء وجمع متفرّقات الأعضاء . أليس لمّا كانت عادات الملائكة - عليهم السلام - الفطرة دون الخمرة ، والفطرة ابتداع من غير مادّة ، والخمرة اختراع من مادّة ، ولمّا فطموا عن هذه العادة بأن كانت خلقة آدم خمرة قد خمّر طينته أربعين صباحا تعجّب منه قوم وأنكره قوم ، ولمّا كانت عادات الناس الخمرة وهي أن لا يولد ولد إلّا من نطفة ولا نطفة إلّا من والد ، ولمّا فطموا عن هذه العادة بأن كانت خلقة عيسى - عليه السلام - فطرة ؛ إذ قال له كن فكان تعجّب منه قوم وأنكره قوم . وسرّ آخر : الطيور الأربعة موازنة برباعيتها ولونها الطبايع الأربع ، والأركان الأربعة ، والمرر 182 الأربعة ، والفصول الأربعة ، والأقطار الأربعة ، والرياح الأربعة ، والأوتاد الأربعة ، والمبادئ الأربعة ، والملائكة الكبار الأربعة ، والأصحاب الأربعة ، والأبدال الأربعة ؛ وبألوانها أصول الألوان الأربعة البياض والسواد والحمرة والصفرة أو الخضرة ، حمامة بيضاء وغراب أسود وديك أحمر وبطّة خضراء أو غرنوق أصفر ؛ ومن قال : هو نسر وغراب